الأميربدربن سعود
إعدام الرئيس العراقي صدام حسين يصنف من بين الأحداث المهمة التي وقعت في سنة 2006، والتوقيت المفاجىء وغير المتوقع للإعدام أثار جدلا عالميا، وقد تناوله الإعلام المحلي في كل دولة ضمن إطار ينسجم
وتصـورات جماهيـره ومتابعيه، وكان القبض الأمريكي على الرئيس العراقي السابق في 14 ديسمبر 2003، دراماتيكيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقد ضبط في مخبأ أو «حفرة» تحت الأرض لا تبتعد كثيرا عن مدينته «تكريت» ونشرت عناوين الصحافة الأمريكية، أنه وبعد ثمانية أشهر من اختفائه وقع كما يقع «الفأر» في المصيدة، في إشارة إلى هيئته «الملخبطة» أو «المحيوسة» وشعره الأشعث وحالة «التوهان» التي كانت تبدو عليه، ولا تشبه أبدا صورته المحفورة أو المحفوظة في أذهان العراقيين والعرب، وربما الغربيين الذين عرفوه وتعاملوا معه، وقالت «فوكس نيوز» في سنة 2003، بأن ضبط صدام ومعاقبته على جرائمه بمعرفة الشعب العراقي، سيعيد الأمن والاستقرار إلى العراق، والعقاب نفذ إلا أن العراق الهادىء والمستقر لازال يسبح في دائرة الأحلام البعيدة.
محاكمة صدام بدأت في بغداد يوم 9 أكتوبر 2005، أي بعد سنتين من القبض عليه، وانتهت بإعدامه بعد سنة تقريبا من هذا التاريخ، عقـابا له على قتـل مئة وثمـانية وأربعين شيعيا في «الديجيل» في ثمانينات القرن العشرين، والشهود على مذبحة «الديجيل» إن جاز الوصف، كانوا يقدمون شهاداتهم من وراء ستار، وأحيانا يتم التلاعب بأصواتهم وتغييرها، حتى لا تكشف هوياتهم ويتعرضوا للإيذاء، أو لملاحقة المتعاطفين مع نظام صدام. وقد أعدم صدام بعد فترة قصيرة من الحكم عليه، ولم يستفد ولو نسبيا من مدة الثلاثين يوما التي حددها القانون العراقي لتنفيذ الأحكام، وتم الإعدام في الساعة السادسة صباحا بالتوقيت المحلي العراقي، يوم 30 ديسمبر 2006، والمفارقة أن هذا اليوم وافق أول أيام عيد الأضحى المبارك في العالم الإسلامي أو مايعرف بيوم «النحر»، والدخول في دلالات اختيار يوم «النحر» تحديدا صعبة معقدة، وتفترض شكلا من أشكال التآمر، أو على الأقل تمرير رسائل غير بريئة، خصوصا أن إعدام صدام نفذ في مكان اعتاد أن يعدم فيه ضحاياه، وتفاصيل الإعدام كاملة نقلها «مقطع بلوتوث» التقطته كاميرا موبايل مجهول. وللعلم فالإعدام حضره عشرون عراقيا ليس بينهم أمريكي واحد، لإعطاء انطباع باستقلالية الإرادة والقرار العراقي، وذكر في المقطع اسم «مقتدى الصدر» القائد الشيعي في العراق، والتصرف انتقدته معظم الأوساط العراقية، وقالت بأنه عمق الانقسـام الطائفي، ووجود المالكي وهو «شيعي» على رأس الحكومة العراقية، كرس فكرة الانتقام المتعمد وتصفية الحسابات، إلى جانب أن المحاكمة وما جرى فيها عززت صورة صدام كـ «شهيد» لا كـ «مجرم حرب» واستبعدت تماما ماضيه الملطخ بالدماء، ثم إن دخول الجوال «أبو كاميرا» في حد ذاته، يشير إلى أن الضبط والربط لم يكن حاضرا في غرفة الإعدام.
الشيء الآخر، أن القاضي الذي اختير أولا لمحاكمة صدام ومن معه استبدل لأنه، مثلما قيل ونشر، أظهر تعاطفا مخلا مع المدعى عليهم، وجلسات المحاكمة لم تكن كلها مفتوحة وبعضها أغلق في وجه الإعلام، منعا لنشر أو نقل الملاسنات والحوار الساخن بين فريق الدفاع والقاضي، ونشر نوا فيلدمان في جريدة نيويورك تايمز يوم 7 يناير 2007، بأن المـدعى عليهم بما فيهم صدام حسين أضربوا عن الطعام احتجاجا على سوء معاملة المحكمة، وأن ثلاثة محامين من فريق الدفاع قتلوا في ظروف غامضة، ولعل ما أثار حفيظة المجتمع الدولي رغم الحكم على صدام بالإعدام، والإعدام بالمناسبة مرفوض غربيا، هو أن الاتهامات الموجهة له لم تشمل مسؤوليته عن قتل مئة وثمانين ألف «كردي» في نفس الفترة التي وقعت فيها مذبحة «الديجيل» والوفيات الكردية أكثر بكثير من الوفيات الشيعية، ولكن الفارق أنه كان صديقا لأمريكا ومحاربا لإيران بالوكالة أو بالنيابة عنها، ويحتمل أن الولايات المتحدة حاولت التكفير عن ذنوبها القديمة في حرب الثماني سنوات بإرضاء الشيعة العراقيين، وكتب باري لاندو (2007) بأن الاستعجال في الحكم على صدام جاء نتيجة لضغط أمريكي، ولمنعه من تسمية شخصيات سياسية كبيرة في أمريكا ساعدته ماديا ومعنويا في الحرب مع إيران.
أهل الأكاديميا الغربية ومنهم روبرت انتمان في كتابه: مؤشرات القوة (2004) يرون بأن نظرية التأطير الإعلامي مناسبة جدا لقراءة ما بين سطور الخطاب الإعلامي في مثل هذه الحالات، والنظرية مفيدة في المقارنة بين المعالجات المختلفة للحدث الواحد، وفي فهم تأطيرات «الديكتاتور» الغربية مع صدام وغيره، وأسباب اختيار الإعلام لزاويا معينة وإهمال غيرها في نشره أو نقله لأية قضية، وبالذات في نقله لأحداث عالمية أو دولية، لا يملك الجمهور المحلي في الغالب خبرة مباشرة عنها، وماذكر ينطبق تماما على أماكن أو دول غير معروفة في المجتمع الغربي كـ «العراق» مثلا، وفي تفاصيل إعدام صدام حاول الإعلام الغربي بالتلميح والتصريح تصوير المسألة وكأنها خلاف داخلي بين طوائف دينية، وألقى بالمسؤولية على الداخل العراقي، ولم ينكر دور أمريكا الجـزئي فيها لأنه لايستطيع إلغاءها ولكنه حاول، والدليل أنه حاليا يركز على موضوع جدولة انسحاب القوات الأمريكية من العراق، حتى يتحمل العراقيون وحدهم النتائج الإعلامية الكاملة لما سيحل عليهم من كوارث في المستقبل، وعلى سبيل المثال، تناول روبرت انتمان في مؤلف آخر (1991) التأطير الإعلامي لإسقاط الولايات المتحدة طائرة إيرانية، وقارنها بتناول أمريكي مشابه لإسقاط الاتحاد السوفيتي السابق طائرة كورية، ليجد أن الإعـلام الأمريكي نظر للأول باعتباره «خطأ أو مشكلة تقنية» بينما وصف الثاني بـ «التجاوز غير المقبول أخلاقيا» ، وقالت كاثرين بكيت (1997) بأن الأجواء الإعلامية التي يوضع فيها أي حدث، تحدد بصورة رئيسية المساحات المتوفرة لتفسيره، وتسهم أيضا في رفع شعبيته أو تراجعها.
أخيرا.. الاستثمار الإعلامي في تأطيرات الجريمة والعقاب العادل أو التأطيرات «العدلية» في الواقع أو في الدراما التلفزيونية والأفلام لها جمهور عريض، وتخدم ضمنيا شرعية وسيادة من يقوم بها أو يحاول تسويقها.